الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفيلم التسجيلي مقدمة تاريخية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد عبد القادر سليمان
مشرف منتدى علوم الاتصال
مشرف منتدى علوم الاتصال
avatar

عدد المساهمات : 70
تاريخ التسجيل : 16/06/2013
العمر : 24

مُساهمةموضوع: الفيلم التسجيلي مقدمة تاريخية   الإثنين ديسمبر 09, 2013 7:40 pm

الفيلم التسجيلي ( التاريخ)


1. يميز المرء ضمن جنس الفيلم التسجيلي مجموعة أنواع، وفقاً للمواضيع التي تتناولها، ووفقا للمواد المختلفة التي تخضعها هذه الأنواع للمعالجة ولأسلوبها التعبيري الخاص، حيث يمكن تمييز كل نوع منها عن بقية أنواع أخرى، يراعى فيه صفات وتقاليد الجنس التسجيلي وقدرته على نقل الواقع وتسجيل مواضيعه بأمانة ونزاهة إلى درجة عالية من الكمال، وجعلت من السينما الفن الإعلامي الأهم دون منازع وأكسبتها جماهيرية غفيرة. وحينما يتسنى لنا الرجوع إلى أنواع الفيلم التسجيلي، الذي يتصدر تاريخيا مصطلح الفيلم الثقافي، الذي تداول في ألمانيا تحديداً، كجنس مواز لجنس الفيلم الروائي، وكان يقصد به الفيلم التسجيلي، قبل أن يطلق تسميته في العام 1926 المخرج والمنظر الانكليزي جون غريرسون، بعد أن شاهد فيلم "موانا" لروبرت فلاهرتي واعجب بشاعريته وحبه للمشاهد الطبيعية وصدقه في تبجيل العمل اليدوي.
2. ظهرت في تاريخ الفيلم الروائي أنواع مختلفة في مراحل مختلفة وانتشرت وتطورت أيضا في مراحل مختلفة أنواع عديدة، انتمت إلى جنس الفيلم الوثائقي وخضعت لمنهجه وأساليبه المكتشفة، وساعدت التقنيات المكتشفة على قدرته في تسجيل الوقائع والمظاهر والأحداث الاجتماعية، التي كان الفيلم، بطبيعته الفوتوغرافية المتحركة، يتابعها في كل مكان ويسجلها. فمنذ أن حاول إديسون في العام 1889 عرض مشهد من الصور االمتحركة بوساطة اختراعه الجديد "الكينتو سكوب" وهو على شكل صندوق للفرجة أشبه بصندوق الدنيا. ونجح أن يضيف صوت الفونوغراف إلى المشهد، الذي يظهر فيه وهو يتكلم، مما بشر بالفيلم الناطق، إضافة إلى عرض تجربته في تصوير "مباراة ملاكمة" في العام 1896 إلى أن جاء تصوير وعرض لويس لوميير العمال والعاملات أثناء خروجهم من مصنع الفوتوغراف في (ليون) في العام 1895 وتصوير ويليام فريز-غرين مشهدا في شارع لندني، وجاء بعده تصوير ويليام باول مباراة سباق الخيل في ابسوم وتصوير أوسكار ميستر مشهدا لحفلة صحافية في برلين وتصوير ماكس سكلادانوفسكي مشهدا لأخيه وهو يمارس رياضته اليومية، بحيث شكلت كل هذه التجارب، التي التقطت مشاهدها من الحياة مباشرة، النواة لظهور فيلم الوقائع. ومن ريبورتاجات مُصوّرة مماثلة ولد فيلم الأخبار، الذي سجل أحداثاً راهنيه تجري في كل مكان كالمؤتمرات والزيارات الحكومية والأعياد الوطنية والأحداث الثقافية والرياضية، وهي المشاهد، التي كانت تعرض بعد تسجيلها بوقت قصير في صالات السينما وأصبحت احد أنواع الفيلم الوثائقي، التي تنحصر مهمتها الأساس في تسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية والمناخية في كل مكان، وتسليط الضوء على أوجه الحياة الاجتماعية غير المعروفة. وكانت بداياتها مع جهود الإخوة لوميير، اللذيّن أخذا يعدونها على شكل "جورنال" مُصوّر في العام 1896 من خلال نشاط مصوريهم المنتشرين في جميع أنحاء العالم، والذين كانوا يزودونهم بالمشاهد التي يُصوّرونها حتى من روسيا واليابان.
3. يقول لنا تاريخ اختراع السينما وتطورها التقني بانه سار بشكل منتظم حتى يتحقق العرض الأول للإخوة لوميير، الذي حصلت في واقع الحال اختراعات كثيرة قبله واستمرت بشكل غير متساوق عبر جهود مخترعين عديدين من جنسيات مختلفة واستطاعت هذه الجهود أن تجمع وتجانس بين الاكتشاف الجديد للصورة الفوتوغرافية والتقنية الكيميا- ميكانيكية، انطلاقا من تقاليد كثيرة قديمة لمكائن الخداع البصري. ومع أن اختراع الفيلم تم، أصلاً، من قبل العلماء والتقنيين، كوسيلة إعادة بناء، قائمة على عرض صور بصرية فوتوغرافية، متحركة ومستمرة، لكنه سار على منوال تقنيات إعادة البناء السمعي الحديثة كالغرامفون والراديو، بحيث أرتبط، فور اختراعه، بالاستثمار الاقتصادي، حتى ضد رغبة بعض مخترعيه.
4. انصرف رائد التصوير الفوتوغرافي المصور البريطاني ادوارد مويبردج وزميله الفيزيولوجي الفرنسي إتيين جول ميرى، مخترع ورائد التصوير الفوتوغرافي، إلى اختراع سلسلة من الصور الفوتوغرافية المتحركة لأغراض علمية خاصة بدراسة الحركة، تهدف إلى فهم ودراسة طبيعة الحركة الانتقالية عند الإنسان والحيوان. وكان الانكليزي ادوارد ميبريدج هو الرائد الأول، فقد واصل في أمريكا تلك التجارب العديدة في تصوير المتتاليات البصرية لحركة الإنسان والحيوان والتي لعبت الدور البارز في دراسة طيران أو تحليق الطيور، أما ميري الذي كان تحت تأثير مفاجأة نشر صور زميله ميبريدج التي التقطها لجواد السباق، والتي حفزته لمواصلة العمل على الحركة الانتقالية وقام بتطوير كاميرا الصور الفوتوغرافية بدافع دراسة حركة الانتقال، وليس بدافع عرض الصور، وفي أثناء ذلك واصل جورج ديمني عمله في تحسين اختراعات ميري وصمم في العام 1891 جهاز "الفونوسكوب" لتصوير الحركة وإعادة عرضها. ونجح في العام 1892 في عرض أفلامه على جهاز الفونوسكوب، الذي يظهر فيه شخصيا وهو يلفظ جملة "تحيا فرنسا" كما عرض فيلما آخر يسجل شرائح لصور متحركة، يلفظ فيها شخص كلمة "احبك".
5. منذ أن أعلن بيتر مارك روجيه نظريته حول استمرار الرؤية، بدأت الناس تعرف، أن ما سُمي " الصور المتحركة" هي في واقع الحال مجرد صور فوتغرافية ثابتة لا تتحرك، إنما تنتج حركتها عند عرضها على الشاشة نتيجة لتوهم الحركة، الذي يعود مصدره إلى خاصية بقاء الرؤية على شبكية العين عند المشاهد، فالعين تحتفظ برهة من الزمن (1/16 من الثانية) بالخيال المنعكس على شبكيتها بعد اختفاء مصدره، قبل أن تقوم بإرساله إلى المخ. كذلك يعود توهم الحركة إلى التصوّر المدرّب للإنسان، فأثناء دوران الفيلم الذي يحتوي على مجموعة من الصور الفوتوغرافية المتتابعة، التي تصور بسرعة 24 أو 25 كادر صورة في الثانية، يعاد عرضها بوساطة جهاز عرض سرعته ثابتة، تشاهد العين عندئذ حركة متواصلة مع أن الجهاز لا يعرض في واقع الحال أية صور متحركة.
6. نشأت حاجة جديدة عند الجمهور، الذي لم يعد يكتفي بمشاهد الأخبار والوقائع فقط، إنما كان يريد أن يشاهد ليس ما هو موجود في الحياة ويسجل فقط، ما يريد أن يشاهد أيضا ما يمكن أن يُمثّل. وربما حصل عن طريق الصدفة أن صور الأخوان لوميير فيلماً عن طفل من عائلتهما وهو يتناول فطوره في حديقة، وكان بمنزلة جنين للفيلم الروائي، وأخذا بعدئذ يصوران مشاهد ذات طبيعة مرحة تبدو، وكأنها تحصل أمام الكاميرا، بينما كانت في واقع الحال مشاهد مُمثلة، كمشهد الجنايني الذي يطارد صبيا تحايل عليه ورش وجهه بالماء أو رجل بوليس وهو يطارد شحاذاً يتظاهر بأنه مقعد. وهكذا سيبدأ خطان أو منهجان سرديان في تاريخ السينما، كل منهما يطور أنواعه العديدة، كجنس فني له مواصفاته الخاصة، منهجان مثّل الواقعي الأول منهما الإخوة لوميير ومثل الخيالي الثاني منهما جورج ميليه، الذي أخذ شكله التمثيلي الأول والمباشر من المسرح.
وسيصور الفيلم أحداثا مُمثلة عل المسرح ويصور أحداثا مُمثّلة في الستديو أو يُوظف مكان الحدث الواقعي المُمثل كستديو بينما يتعامل مع المشهد المُمثّل وكأنه صُوّر من الواقع مباشرة. وهكذا تحول اختراع الصور المتحركة الجديد، الذي بدأ كابتكار علمي، يظهر في نهاية القرن التاسع عشر ليتحول تدريجيا، في مطلع القرن الجديد، من صور متحركة تسجل للجمهور المبهور مناظر عادية مثل الأمواج التي تتكسر على الشاطئ والقطارات التي تقطع شوارع الطبيعة والمدن ومركبات المطافئ وهي تندفع مسرعة في الشوارع والاستعراضات العسكرية المُنظّمة، إلى فن جديد. وإذا كانت السنيما، قد أصبحت الفن السابع بين الفنون الأخرى، رغم إن ولادتها كآلة نتجت من أهداف علمية لا يمكن انكارها أو تجاهلها، الا أن الآلة نفسها يسّرت تطوّر السينما كفن، لهذا ارتبط تطورها بالبصريات والكيمياء العضوية وعلم الميكانيكا. وترتب عنه قفزات، حققتها التجارب العلمية، لتجعل من السينما واحدة من الصناعات التقنية /الفنية التي استطاعت بجهود وإبتكار العاملين في حقلها، أن تصبح، في الوقت نفسه، فن القرن العشرين.
7. كان مخرجو أنواع الفيلم الواقعي، ينطلقون، بهذا القدر أو ذاك، في تسجيل مشاهد أفلامهم بصورة أمينة ونزيهة من ما هو موجود اصلاً في الجياة مباشرة ويجهدون في أن تكون افلامهم كما لو إنها مادة خام حقيقية للعالم المادي والاشياء والاماكن والناس الحقيقين، بحيث تبدو أمام من يشاهدها، بأنها موجودة أو يمكن أن تكون موجودة في الواقع. وهكذا نشأت ضمن حقيقة وطبيعة الصورة الفوتوغرافية المتحركة، المحاولات الأولى لاستخدام الفيلم لأغراض معرفية وحتى علمية، أي لأغراض تساعد على نشر المعارف العلمية والتعليمية أولاً في صالات السينما وبعدئذ في أماكن الدراسة والتعليم. وقد اندرجت مثل هذه الأفلام ذات المضامين التعليمية الثقافية والعلمية كلها أولاً تحت معطف ما سُميّ بداية الفيلم الثقافي، وثانياً تحت معطف ما سُميّ بالفيلم الوثائقي وهو الجنس الفني الذي تنضوي تحته كل الأنواع الواقعية، لكن أيضا تصدّر مع الزمن مصطلح الفيلم العلمي الواجهة وأخذت تندرج تحت تسميته أنواع أخرى: كالفيلم البيولوجي والفيلم الطبي، لأنه انطلق ببساطة من أصل المحاولات الأولى لاختراع الصورة المتحركة التي كان الهدف من اختراعها هدفاً علميا. وعلى هذا الأساس سارت، منذ البداية، نزعة توظيف الوسيط الفيلمي، بإمكاناته المختلفة، في تسجيل مواضيع علمية وبحثية ونشرها لأغراض دراسية وتعليمية، كما سعت جهات إنتاجها لعرض هذه الأفلام في برامج الصالات السينمائية قبل عرض الفيلم الروائي الطويل، كما سعت لنشرها في المدارس والجمعيات العلمية والطبية، ومن ثم بدأت في مرحلة أخرى في تحويلها على أشرطة فيديو، وفي مرحلة متأخرة على أشرطة د.ف.د. لتُبرمج كمادة دراسية في المدارس والمعاهد والجامعات المختلفة. وتحتل اليوم مواضيع العلوم العامة المختلفة، انطلاقا من تلك التقاليد، مكانها البارز في الفضائيات التلفزيونية، وتشكل الأفلام والبرامج المتنوعة مصدراً هاما في تعريف الملايين بكل ما يوجد من بشر وحيوانات ونباتات وكل ما يحدث على كوكبهم. وبتنا نتعرف على عادات الشعوب في كل مناطق الأرض ونتعرف على طبيعة وغرائز الحيوانات البرية فوق الأرض والحيوانات البحرية تحت الماء، وأصبحت البرامج التعليمية والترفيهية والدراسية تؤلف الإنتاج الرئيسي في التلفزيون، الذي استطاعت محطاته أن تطور، مع الزمن، أنواعأً له جديدة، كما استطاعت فضائياته، أن تنتج بشكل حاسم، سلسلة من أنواع أسلوبية خليطة، كالبرامج والندوات والمجلات، التي تسجل أنواع الحوارات العلمية والسياسية والاجتماعية، وتوظف في بثها عناصر بصرية وسمعية وغرافيكية مختلفة ومتعددة، لتعطي صورة شمولية للمواضيع، التي تحتل في الواقع موقع الصدارة في المجتمعات، وتكسب اهتمام ملايين المشاهدين.
8. إن مصطلح الفيلم الثقافي هو أصلاً تسمية أطلقت تحديداً على نوع من الأفلام التسجيلية/ الوثائقية في ألمانيا وعبر ذلك المفهوم، تم التعبير عن الحاجة في الترويج للفيلم وجعله عملا جديراً بالاحترام والتقدير. وسرعان ما انتشر الفيلم بعد الحرب العالمية الأولى، حينما اكتُشفت إمكاناته الكبيرة ووظفت لأغراض علمية، وكان هانس غرليس أهم رواد هذا النوع ، الذي أسس في العام 1919 "معهد البحث الثقافي" بينما تابع والرش شولتز، تصوير الأفلام الثقافية الخاصة بعلوم الطبيعة، وكانت تسمية "الفيلم الثقافي" تسمية يقصد منها الأفلام التي تتناول مواضيع مختلفة مثل العلوم والطب والفن والثقافة والجغرافيا والتاريخ، مع إن التركيز بدأ في إنتاج أفلام علمية في "قسم الثقافة الخاص في ستديو- اوفا" ببرلين، بهدف جعل تأثير هذه الأفلام تأثيراً قوياً على جمهور صالات السينما الغفير. وأصبح إضافة الشرح على الصور، في فترة السينما الصامتة، يتم بوساطة لوحات مكتوبة تظهر بين مشاهد الفيلم بشكل أدبي جذاب، كما تمت الاستعانة في فترة السينما الناطقة بقراءة التعليق العلمي الشارح، الذي يصاحب الصور ويعقّب عليها. واستطاع جين بينليف أن يعبّر بشكل أفضل في فيلمه البيولوجي "مخيم هيبو" ليصبح أكثر جاذبية للجمهور الواسع عن طريق استعماله لموسيقى الجاز الحديثة. أما المخرج الفرنسي جاك كوستو، فعبّر في أفلامه الشاعرية، التي صورها تحت الماء وكشف فيها أسرار حياة البحر، بتأثير من شاعرية أفلام روبرت فلاهرتي التي سجل فيها الحياة القاسية للاسكيمو في فيلم "نانوك" الذي يبحث وعائلته عن الطعام في معركة حياة او موت شجاعة مع البيئة القطبية القاسية، وصراع عنيف لحياة عائلية شاقة وشجاعة في جزر آران الشمالية القاحلة ضد عدوها البحر في فيلم" رجال من آران"، وتمكن من إبتكار "فيلم الطبيعة" بشكله الحديث.
9. وُظف الفيلم منذ مطلع القرن في خدمة أهداف علمية، فالانكليزي مارتين دونكان اظهر بشكل بدائي الميكروكوسموس/ الكون الاصغر في فيلم "عالم خفي" في العام 1903 بمساعدة المجهر/المكرسكوب واخرج بودوفكين فيلم "ميكانيكيا الذهن" من ستة أجزاء في العامين 1925/1926 عن العالم ايفان بافلوف الحائز على جائزة نوبل في العام 1904 والفيلم يوضح العمليات العقلية المختلفة ويبرز مدى التقدم، الذي بلغه العاملون في معهد بافلوف في اكاديمية العلوم بمدينة لينينغراد، قد ساهم في الأفلام مجموعة من العلماء المتخصصين في إجراء التجارب حول الفعل المنعكس الشرطي وفي فيزيولوجيا النشاطات العصبية الحركي، كما استطاع الفرنسي جان باينليف والروسي الكسندر سغوريدي تطوير فيلم العلوم العامة والوصول به إلى نوعية عالية. وهكذا أصبح فيلم العلوم العامة ظاهرة لا يمكن أن تتجاهلها الحياة الثقافية أو تستغني عنها، ظاهرة ضرورية في خدمة التثقيف الشعبي والتعليم وتقديم المعارف العلمية ونشرها.
10. في بداية السينما لم تكن النظرة المستقبلية للفيلم الوثائقي تفهمه كعمل فني جديد، يمكن أن يؤسس لنوع سينمائي متميز، إنما تعاملت معه كأداة للتوضيح ووسيلة لنشر المعارف العامة والمعلومات. لكنه استطاع، مع الزمن، أن يحقق، أيضا، مواضيع جادة جديرة بطبيعة نوعه العلمي. وروج الأديب الروسي الكبير مكسيم غوركي لإمكانية استعمال الفيلم الممكنة ولأهمية الفيلم الثقافي والعلمي في المستقبل، وأكد على دورهما في مجال تكامل الحياة الاجتماعيةالمعرفي: "يستطيع السينمائي أن يسجل ويعرض للجماهير الغفيرة، التي تتعلم، لتصبح سيدة الحياة، على كل ما حدث، في الماضي ويحدث في العالم الراهن وعلى كل ما يجب أن نعمل وحتى على كل ما ننوي عمله... دون أن نغفل أيضا دور السينمائيين في النشاط المدرسي ودورهم الهام في تعريف طلاب المدارس على تاريخ الثقافة ونشر المعارف العلمية بينهم، بما فيها مثلاً كل مبادئ العلم البيولوجي وأصوله". وكان دون شك ينطلق من إمكانات السينما ودورها في نشر المعارف والعلوم بين الجماهير، وهو المفهوم الشهير الذي لخصه لينين في شعار: من بين كل الفنون فان السينما بالنسبة لنا هي الفن الأهم".
11. أن احد خصال الفيلم الثقافي الهامة والسبب الرئيسي لنظرة الاستهانة التي لحقت به في الماضي، هو اقتصاره على اختيار مواضيع "علمية" هامشية، كعمل الأخشاب في الغابات أو تسليط الضوء على غريزة بعض الحشرات أو محاولة التعبير عن فنون الطاقة والجمال، في شكل غريب عن فن الفيلم. ورغم عدم الاهتمام التي كانت هذه الأفلام تلقاها من قبل جمهور السينما العريض، حينما كانت تعرض في الصالات قبل عرض الفيلم الروائي، إلا إنها كانت تُنتج بكثرة من قبل جهات حكومية كأفلام تكليف، وبدأت تختفي شيئا فشيئاً من الصالات، رغم أن إنتاجها أستمر بمشاركة دعم مالي من قبل جهات حكومية كما هو الحال في "معهد الفيلم والصورة" أو في بعض منظمات الكنائس.
12. ظهرت في بداية الستينيات حركة في أوروبا الغربية اعتمدت منهج تعبير سُميّ سينما الحقيقة/ سينما فآريتيه وهي حركة انطلقت من أعمال الانثروبولجي الفرنسي جان روش الذي صور أفلامه في إفريقيا دون طموح فني كبير وبعين باحث في أصول وتقاليد شعبية، تابع في فيلمه "أنا اسود" خلال النهار بواسطة كاميرته تصوير بعض الزنوج، ساعياً للكشف بمصداقية تسجيلية عن مستوى وعيهم في المدن الكبيرة. ونجح، إلى حد كبير، في أن يجعل المواطنين الزنوج الذين صورهم، أن يعلقوا بأنفسهم على الصور الصامتة بشكل عفوي وارتجالي وحقق فيلماً توضيحياً، مليئاً بالتعاطف مع الزنوج وتابع تصوير أفلامه بطريقته الجديدة والمؤثرة، لكن أسلوبه في إجراء المقابلات مع الناس الذين كان يختارهم لم تحقق طموحه، إنما جره أسلوب المقابلات الشيّق إلى الاقتصار على آراء متوترة ومثيرة. وتبين بعدئذ أن منهجه الانثروبولجي وأسلوبه يعجزان عن كشف صورة صادقة لآراء الناس في الحياة، غير إن كريس ماركير، وهو ينطلق أيضاً من منهج سينما الحقيقة، حقق بوساطة إسلوب المقابلات المباشرة، صورة صادقة للناس الذين قابلهم في فيلمه الهام "ماي الجميل".
13. يتصدر مصطلح الفيلم العلمي، كأحد أنواعه الأولى، ويتحدد مضمونه، كمضمون ذي طابع علمي وبحثي. فمنذ البداية كان هدف إنتاج مجموعة أنواع أفلام تظهر في كل مجالات العلم وتخدم وظائف تعليمية ودراسية ومعرفية مختلفة:
أ‌. فيلم الأبحاث: ويستخدم في تسجيل مظاهر عمليات لا تدركها العين البشرية، لكن يمكن تسجيلها بوساطة معدات وأجهزة تقنية مثل آلات التصوير العالية السرعة وآلات التصوير البطيئة السرعة، وهي آلات تصوير خاصة ذات سرعات مختلفة، بطيئة وسريعة، إضافة إلى الاستعانة بمواد فلميه خام حساسة وبمساعدة أنظمة تسجيل الصور المتحركة، التي مكنت تلك الأفلام من تسجيل عمليات ميكروسكوبية أو تسجيل حركة غيوم في السماء أو تسجل حركات نشاط رياضي سريع ومعقد، والهدف منها طبعا الحصول على معلومات معينة بهدف تحليلها ودراستها. واليوم تتم غالبا استخدام مواد الكترونية في أنظمة معالجة الصور، وأحد أشكال مثل هذه الأفلام العلمية هو استخدامها لنظام ما يسمى "تزامن الحركة البصرية".
ب‌. الفيلم الوثائقي: وليس المقصود هنا الأفلام التي تسجل الأحداث النادرة إنما تلك التي تسجل الحرف اليدوية والأحداث الطقسية التي يتم فحصها في الاثنولوغيا وعادات وتقاليد الشعوب، خصوصا تلك العادات التي تتعرض للانقراض، والتي مهمة الفيلم أن يحفظها الفيلم نفسه ويخزنها، وبالتالي نشأت انسكلوبيديا تجمع هذا النوع من الأفلام وظهر إلى الوجود برنامج الانسكلوبيديا السينماتوغرافية في العام 1952 التي أسسها غوتفريد وولف بالتعاون مع العلماء الألمان والنمساويين، وهدفها تجميع الأفلام المنتجة في مجالات ونواحي البيولوجيا وتوثيق الأفلام ذات الأصول والمبادئ العلمية والاجتماعية، التي كان الهدف من تحقيقها، تسجيل كل نواحي الحياة المادية في مجموعة بصرية سمعية، لكي تخضعها للدراسة والتحليل، وأصبح وولف نفسه رئيسا لــ"معهد غوتنغن للفيلم العلمي" وهو المعهد الذي يتابع حفظ الأفلام العلمية المختلفة في برنامجه الواسع وأصبح اليوم يُكرّس استراتيجيته في توثيق العالم الموضوعي، ويضع الأفلام العلمية، باشكال مختلفة، تحت تصرف العاملين والدارسن في ميدان البحث العلمي وأغراضه.
ت‌. الفيلم التعليمي: وهو الفيلم الذي يربط بين المنحى التسجيلي الواقعي والعلمي في بنية تعليمية، تخدم أهدافه في التعليم وتعالج بالدرجة الأولى المواضيع التعليمية بشكل كامل ووفقاً لتفاصيل ضرورية، وتُبنى على أساس تعليمي وتُوظّف قبل أي شيء في عمل الجامعات الحرة وتكتسب أهميتها التعليمية مند السبيعينيات.
ث‌. فيلم العلوم العامة: أن نشر المعارف العلمية العامة بوساطة هذا النوع من الأفلام، التي تُستخدم مواده في السرد وأصبحت تعالج دراميا عمل وحياة كبار العلماء والاكتشافات والاختراعات، وتتعرض لتاريخ ابتكاراتها العلمية، إضافة إلى إنتاج افلام أنها تطرح القضايا السياسية والمشاكل الأخلاقية، التي ترتبط بطريقة إستغلال العلوم وتنتج عن تطويرها ليس فقط لاغراض علمية إنما لاغراض عسكرية، تلحق المضار بالبشرية، وكمثال واضح على مثل هذا إستغلال اطاقة الذرية والمضار التي الحقتها بالبشرية. ونجد، منذ البداية، أن أهم مستشفى كبيرة وعريقة، وهي مستشفى ألشارتيه في برلين تفتح أبوابها للإسهام في تنفيذ مجموعة أفلام حول سيرة كاملة لأهم الأطباء على سبيل المثال فيلم (روبرت كوخ ، خصم الموت /1939) أو سيرة الألماني فرديناند زاور بروخ في فيلم (زاوربروخ - هذه هي حياتي/1954) الذي يُعد أهم طبيب جراح في النصف الأول من القرن العشرين.
ج‌. فيلم الطبيعة: أفلام تسجيلية عن الحياة النباتية والمائية أو الحيوانية، توظف أساليب المنهج التسجيلي في تحقيق أفلام عن الحيوان والبحار أو أفلام الطبيعة. ولنذك هنا بالتسجيلي الهولندي العظيم يوريس إيفنز، الذي صنع عدة أفلام شاعرية عظيمة إلى جانب أفلامه السياسية، تغنى فيها بمظاهر الحركة في الطبيعة مثل فيلمه العظيم "أغنية الأنهار" بالتعاون مع الموسيقي شوستوكافتش والمسرحي برتولت بريشت. كما أنه صور فيلمه الشاعري "نهر السين يلتقي بباريس" عن فكرة لجورج سادول وتعليق للشاعر جاك بريفيير، كذلك صور فيلم "ميسترال" عن الريح في جنوب فرنسا بالأسود والأبيض وحول صوره الى الألوان وأنهاها في قياس السينما سكوب. وقبل وفاته بعام، وكان قد بلغ عامه التسعين، أخرج فيلمه الأخير في الصين"حكاية حول الريح".
ح‌. الفيلم الصناعي: فيلم تسجيلي تعليمي يُنفذ لصالح شركة صناعية أو لصالح مجموعة من الشركات والهيئات التسويقية بهدف ترويج نشاطها الإنتاجي ومن اجل بيع منتجاتها كما يمكن أن يكون هدفه تثقيف وتعليم القوى العاملة في هذه الشركات أو الهيئات المنتجة.
قبل أن نُقوّم إنتاج مثل هذه الأفلام أو نسأل من أين تأتي أهميتها: أتاتي من قيمة مضمونها أو من قيمة شكلها الفني؟ علينا أن نسترشد بالمؤرخ البولوني العظيم جيرزي توبليتز، الذي ألف أربعة أجزاء ضخمة عن تاريخ السينما العالمية، وميّز في موقفه بين الوسيط الفيلمي كفن أو كوسيلة للتفاهم بين الناس. وفي مقدمة الجزء الأول من كتابه تاريخ السينما: من العام 1895 حتى العام 1928 يكتب:" أن الفيلم كما اعتقد هو ابعد من ينحصر في ميدان الخلق الفني. فهو منذ نشوئه، مارس بامكاناته الهائلة الكثيرة تأثيره كوسيلة للاتصال وللتفاهم بين الناس. ويستطيع الفيلم دون أن يكون بالضرورة فناً، أن يكون ظاهرة ثقافية جوهرية، يتزايد تأثيرها على المجتمع. على هذا يجب على المؤرخ السينمائي وقبل كل شئ على المؤرخ الثقافي ألا يوجه اهتمامه فقط إلى إنتاج الأفلام الفنية المتقنة ، التي تظهر في هذه المرحلة أو تلك فقط، إنما يوجه اهتمامه أيضاً إلى إنتاج الأفلام النمطية، التي غالبيتها لا تنتمي إلى الفن"؟


المصـــادر

1. معجم فيشر. فيلم إذاعة تلفزيون. كتب فيشر فرانكفورت أم ماين/ 1956
2. البرت فولتون. السينما آلة وفن. ترجمة صلاح عز الدين وفؤاد كامل. مكتبة مصر. القاهرة/1958
3. هورست كنيتش. الفيلم أمس واليوم. دار نشر اوارانيا لايبزغ/ 1967
4. آرثر نايت. قصة السينما في العالم. ترجمة سعد الدين توفيق. المكتبة العربية-الترجمة. وزارة الثقافة المصرية/ 1967
5. ليزلي.ج. هويلر. أسس صناعة السينما. المجلد الأول. ترجمة سعد عبد الرحمن قلج. الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1972
6. جيرزي توبليز. تاريخ السينما. الجزء الأول. دار نشر هينشل. برلين/ 1972
7. غوتهارد وولف. الفيلم العلمي في جمهورية ألمانيا الاتحادية بون-باد غودسبيرغ/ 1975
8. جيمس موناكو. الفيلم والوسائط الجديدة. معجم المصطلحات الفنية. دار نشر روفولت ألمانيا/ 2000
9. معجم الفيلم/ ريكلام. دار نشر فيليب ريكلام شتوتغارت/ 2002
10. السينما الأوربية. إعداد إليزابيث عزرا. ترجمة محمد هاشم عبد السلام. مهرجان أبو ظبي الدولي/ 2007
11. كيفن جاكسون. السينما الناطقة. ترجمة علاّم خضر. الفن السابع(141) المؤسسة العامة للسينما دمشق/ 2008
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الفيلم التسجيلي مقدمة تاريخية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات كلية علوم الاتصال :: ::: منتدى كلية علوم الاتصال ::: :: قسم التصوير و السينما-
انتقل الى: